تيسير التميمي

Banner
حقوق المرأة
ملخص بحث تدويل مشكلة المرأة Print E-mail
Wednesday, 19 January 2011 15:01

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أحل الحلال وحرم الحرام ؛ وسكت عن أشياء رحمة بالأنام . والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ؛ سيد الأولين والآخرين ؛ رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وعلى آله الطيبين الطاهرين ؛ وصحبه ومن تبعه وسار على نهجه إلى يوم الدين .
وبعد ؛
فإن الناظر إلى واقع المسلمين اليوم وبالأخص المرأة ؛ يلمس ما تعانيه من إهدار للكرامة ؛ وإشعار بالنقص والدونية ؛ وما ترتب على ذلك من عدوان على حقوقها ؛ فلا هي تعيش العدالة التي ضمنها لها الإسلام ، ولا تنال المكانة التي تظن أن المرأة في الغرب تحظى بها ، ولا تجد القانون الذي يحميها من استبداد الرجل زوجاً أو ولياً .
فحين ننظر إلى مجتمعنا العربي والإسلامي نرى مخالفات للإسلام ، فكثيرا من النساء لا يتمتعن بحقوق متساوية مع الرجل ، وهذا التمييز لا يقوم على أساس ديني ، ولكنه في كثير من الأحيان يكون على أساس التقاليد الموروثة .
كان هذا من أبرز الأسباب التي مكنت المؤسسات النسائية أن تتقدم وتحرز المكاسب ، فدعت إلى إجراء تغييرات في القوانين العديدة التي تراها مجحفة في حق المرأة كالأحوال الشخصية والعقوبات ؛ وبعض القوانين المدنية . ونالت تأييداً من فئات عديدة في المجتمع وبالأخص النساء ، فغدت ملاذ المرأة الوحيد وبريق الأمل الذي يبشرها بالخلاص من المعاناة التي تعيش ؛ حتى أصبحت تشكل قوة ضاغطة على السلطة التشريعية ، بدليل تعديل قوانين الأحوال الشخصية في بعض الدول العربية والإسلامية .

الفصل الأول : المجتمع الدولي وقضية المرأة
قضية المرأة المسلمة باتت محط أنظار الناقدين والمحللين والحقوقيين ؛ سواء على المستوى المحلي والأممي ؛ باعتبارها مثاراً للشبهات حول الإسلام والتشكيك في صلاحه لهذا الزمان ، ومحلاًًّ لشتى الأفكار والنماذج الحضارية ، وسبيلاً لاختراق البيت والأسرة المسلمة ؛ الحصن الحصين الذي استعصى على الغزو الثقافي ؛ فظل أكثر صلابة في وجه التغريب رغم الهجمات العاتية ؛ بذريعة التخلف وعدم القابلية للتطور أو التقدم الحضاري .
لكن بعض مفكري الأمة للأسف شاركوا في خلخلة قناعة المرأة بقيم دينها المنظمة لشؤون المجتمع والأسرة ، وأسهم الواقع الأليم في سرعة الاستجابة . فقد كانت حالة التأخر والركود الحضاري التي عاشتها المجتمعات الإسلامية - حيث رزحت تحت نير الاستعمار الغربي لفترات طويلة - سبباً في انشغالها بحروب المقاومة والتحرير . يضاف إلى ذلك ظهور مجموعات وشرائح من المجتمع اقتبست بعض الطروحات الغربية الاجتماعية والثقافية والسياسية ، فاتَّسعت الهوة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي .
فحاول أولئك المفكرون الخروج من حالة التردي هذه واللحاق بركب التطور المتسارع ؛ باستحسان النموذج الغربي وتزيينه للمرأة المسلمة لتسعى إلى بلوغه .
وفي ظل هذا الشد والجذب بين دواعي الجمود ومحاولة النهوض ، احتدم الصراع . وعمل الغرب من خلال الاستعمار الثقافي على تقويض ما تبقى من قيم الإسلام بإثارة الناقمين على الأعراف والتقاليد المتخلفة .
ربما كانت البداية قبل أكثر من قرن ؛ حيث أدت الدعوات التحررية إلى محاولة تمزيق الحجاب ومحو آثاره في بعض المجتمعات المسلمة ؛ ومحاولة اجتثاث القيم الإسلامية من جذورها لحساب القيم العلمانية .
واليوم لم تعد قضية المرأة موضع اهتمام أفراد وشخصيات ؛ أو مبادرات معزولة تثير انتقاداً أو تكسب انتصاراً ، أو محلاًّ للنقاش بين المؤيدين والمعارضين ؛ بين أنصار التغريب وتيار والتأصيل ، بل أصبحت تطرح على بساط النقاش الدولي ، وبدأت تخضع للتدويل السياسي والفكري ، فصارت جزءاً من المواجهة الحضارية الشاملة ، وجاءت العولمة لتعطي هذه التوجّهات دفعات إضافية ودعماً متواصلاً غير منقطع .
فعقدت المؤتمرات الدولية ؛ وتمكن الفكر العلماني من التسلل إلى المجتمعات الإسلامية من خلال الإعلام والثقافة والدعم الغربي ، مما أدى إلى ظهور تكتل دولي نجح في عقد المزيد من اللقاءات والبرامج الدولية ؛ التي أصدرت التوصيات الملزمة للدول المشاركة ؛ بضغط قوة الشرعية العالمية وبنفوذ لوبيَّات الضغط النسائية إزاء الحكومات .     
وفيما بعد نجحت المنظمة الأممية في إرساء قواعد كونية تحكم السلوك البشري أخلاقياً وقانونياً ؛ في جميع مجالات الحياة ، فصدرت عنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( السيداو ) ؛ والتي تعتبر بياناً عالمياً وميثاقاً دولياً بحقوقها ؛ ويقرر أن التمييز ضدها إهانة للكرامة الإنسانية ، ويدعو إلى إلغاء جميع القوانين والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزًا ضد المرأة ، وتلتزم الدول الموقعة عليها باتخاذ جميع التدابير لتطبيقها ، سواء على مستوى الحياة العامة والحياة الخاصة وعلى وجه الخصوص الإطار الأسري .
لكن الحقوق التي نصت عليها هذه الاتفاقية هي حقوق للمرأة بصفتها إنساناً مستقلاً عن أسرته ومجتمعه ؛ وليس له علاقة بتاريخه أو أخلاقيات ثقافته وفكره ، وتمثل جوهر المفاهيم الغربية . وهذا خطاب ينطوي على التعبئة ضد الرجل ، ويؤدي إلى تفكيك الأسرة وتوليد القلق بين أفرادها وبالذات المرأة ، حيث ستظن أنها لن تنال حقوقها إلاَّ خارج الأسرة .
ومن الملاحظ في الاتفاقية كذلك تغييب الفكر الإسلامي ونظرته إلى المرأة ومكانتها ، الذي جاء بالمفهوم السليم للتحرير الشامل للمرأة ، وأعطاها كل الحقوق والامتيازات من الميلاد إلى الممات ، أسوة بشقيقها الرجل الذي تشترك معه في بناء المجتمع والحضارة .
برهان ذلك التجربة التاريخية الفريدة تشريعياً ودينياً وأخلاقياً ، والتي يمكن إحياؤها اليوم للخروج بقاعدة فكرية قوية والبناء على أساسها . وهي مؤكدة النجاح ؛ كنجاح الإسلام في بناء حضارة إنسانية شاملة ترتكز على القيم الراسخة .


الفصل الثاني : مكانة المرأة في الإسلام
فمكانة المرأة في الإسلام تمثل نقلة نوعيّة مقارنةً بحالها قبل الرسالة ، فكرياً وتشريعياً وإنسانياً ، فأول قلب آمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم قلب امرأة ؛ هي زوجه خديجة التي آزرته لما حاربه الرجال . وأول من نال شرف الشهادة في الإسلام امرأة ، هي أم عمار التي ثبتت أمام صناديد الرجال فنالت أرفع وسام وآخر عهده بالدنيا صدر امرأة ؛ هي زوجه عائشة التي أحب ؛ فتوفي ورأسه بين سَحْرِها ونَحْرِها .
تفرَّد هذا الدين بتمكين المرأة ، وله السبق في صياغة شخصيتها . ولن آتي بجديد لو تحدّثتُ عن حماية الإسلام لحقها في الحياة أو التعليم ، لكنني سأتحدث عن جوانب أخرى لم يُغْفِلْها الإسلام ؛ لكن أغفلها وعطّلها كثيرون ، فجعلوها بذلك مثاراً للشبهات والاتهامات ضد الإسلام !
1- ففي الحقوق الإنسانية أثبت الإسلام للمرأة عموماً ما أثبت للرجل . والأصل أنهما متساويان ، أما الأحكام التي تُمَايِزُ بينهما فقليلة وتناسب مسؤولية كلٍّ منهما . فهما متساويان في أصل الخلق ؛ وتالياً هما متساويان في التكريم ؛ وفي صفات الفطرة الإنسانية ، فتسيطر على كل منهما غريزة حب البقاء والرغبة في حيازة الملكيات ، والاستجابة لمشاعر الإيمان ؛ ومتساويان أمام الخطاب بالأحكام ؛ فتكليف المرأة ليس دون تكليف الرجل .
2- أما الحقوق المدنية فللمرأة أهلية كاملة كالرجل إذا بلغت راشدة ؛ لتوافر مقومات شخصيتها القانونية . والاسم أولها ، أقصد احتفاظها بنسبها إلى عائلتها بعد الزواج . فالمرأة المسلمة التي أسهمت في صنع تاريخ أمتها لم تُعرف إلاَّ باسم أبيها ، وعائشة تزوجت الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لكنها تنسب إلى أبيها ، ومثلها سائر أمهات المؤمنين والصحابيات .
والموطن حق ثابت للإنسان حيث يقيم ويحيا آمناً . لكنه قد يُشرد منه فيهاجر مكرهاً . هاجرت المسلمة من وطنها مكة فارَّة بدينها إلى المدينة موطنها الجديد ؛ فأقامت فيها كما أقام المهاجرون .
والمواطنة ( الجنسية ) صفة تفيد انتماء الفرد إلى الدولة ؛ وأصلها مستمد من فكرة دار الإسلام . وهي حق يوَرَّثُ للذرية ، فالمرأة كالرجل ترث جنسية أبيها وتورِّثُها لأبنائها وإن كان لأبيهم جنسية أخرى . لأنها كما تنتقل عن طريق الأب فتنتقل عن طريق الأم أيضاً لقوة جانبها ؛ فولاية حضانة الصغير لها لا للأب ، والابن تبع لها في الحرية والرق لا للأب ، وتسهم في صياغة دينه وفكره كالأب
والمرأة ذات الأهلية كالرجل معتبرة التصرفات نافذة العقود لكمال إرادتها ؛ فالعقود لا تنتج آثارها إلاَّ بتوافق الإرادات ، أما الإكراه فهو من شوائب الإرادة العقدية للرجل والمرأة .
3- وفي الأحوال الشخصية : يتساوى الزوجان في أولى مقدمات الزواج وهي الخطبة ، فالمعتاد أن يخطِب الرجل المرأة ؛ لكن للمرأة أن تبادر إلى خطبة الرجل الصالح . ويتساويان في إنشاء الزواج ، فلا يجوز عقده رغماً عنهما ، والمرأة كالرجل تملك إبرام عقد زواجها بعبارتها أصالة أو وكالة . وبعد ذلك يتساوى الزوجان في تحمّل المسؤوليات داخل الأسرة ؛ لكن هذا التساوي لا يعني التماثل بل التكامل
ولكل منهما حلَّ رابطة الزواج عند استحالة حياتهما ، فبالإرادة المنفردة يملك الرجل الطلاق ؛ وتملك المرأة التطليق إذا فوّضها الزوج ، وبالإرادة المشتركة لها الإبراء والمخالعة مقابل الطلاق ؛ ولكل منهما طلب فسخ العقد أو التفريق في حالات حددها القانون .
وحق المرأة في الميراث ثابت ؛ أما اختلاف نصيبها عن الرجل فليس انتقاصاً لها ، لأن الذي حدد الفرائض هو خالق الذكر والأنثى ، والذي لا يحابي ذكراً على أنثى ، بل أوصى الذكر خيراً بالأنثى . فالتفاوت بينهما مسألة تعبدية خالصة .
4- ومالياً تستقل ذمة المرأة فلا يملك أحد منعها التصرف في مالها ما لم يحجر عليها ، ولها ضمان غيرها كفالة أو حوالة ، ولها أن تدين وتستدين وتوصي ، أما أن يكون للزوجين ذمة واحدة كما في بعض الأديان والأنظمة الأخرى فالمرأة هي الخاسر في هذه الحالة .
5- وللمرأة الحق في العمل ، فلم يرد نص شرعي يحرمه عليها ، بل دلت النصوص على إباحته ، ولم يرد نص شرعي يمنعها تولّي الوظائف العامة كالإفتاء والقضاء ما دامت ذات كفاية ؛ شريطة تقيدها بتعاليم الإسلام . أما إعفاؤها مما يرهقها كالعمل والجهاد فليس انتقاصاً لشخصيتها ؛ بل امتياز لها وإقرار بعظيم دورها . فماذا عليها إذا احتاجت إلى العمل أو احتاج العمل إليها أن تمارسه ؟ وماذا عليها لو عملت إن وجدت متسعاً من وقت وفائضاً من جهد لخدمة أبناء أمتها ؟ من غير تعارض مع رسالتها في تربية الأجيال وبناء الرجال !
6- ولم يذكر لنا التاريخ أن المرأة غُيِّبَت عن الحياة السياسية ، فقد واكبت مراحل الدعوة وعايشت الظروف التي رافقت بناء الدولة ، فصبرت على التعذيب كالرجال ؛ فما صدها ذلك عن دينها وما ارتَدَّت بعد إيمانها لكن ارتد بعض الرجال ، وشاركت في مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم جنباً إلى جنب مع الرجال ؛ والمبايعة انتخاب في أعرافنا السياسية المعاصرة .
جاهدت المرأة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فحملت نسيبة المازنية السلاح في أحد ؛ ودافعت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ بل تناولت سلاح أحد الفارّين لتقاتل به ، ومنحت الأمان لغير المسلمين ؛ وشاركت في المعارضة وانضمت إلى الثورة ضد الظلم والاستبداد ، وأبدت رأيها أيضاً في الأحكام والتشريعات ؛ كالظهار وتحديد المهور وأسس العطاء .
إن دخول معترك الحياة السياسية مشاركة في اتخاذ القرار لا تمنع منه المرأة ، فهو ليس من حقوقها فقط بل من واجباتها المفروضة ؛ بصفتها من المؤمنين المأمورين بالتقويم عند قيام دواعيه ، قال عمر إذا رأيتم فيَّ اعوجاجاً فقوّموني ؛ فلما قوّمته امرأة قال أصابت امرأة وأخطأ عمر .
لكن يثير المشككون ضد الإسلام شبهات أخرى ؛ كمنع زواج المرأة بغير المسلم ؛ ومعاقبتها على إشباع رغبتها الجنسية بغير الزواج ، ويقررون أن الزواج عقد مدني وليس دينياً ، وبما أن العقد شريعة المتعاقدين ؛ فالزوجان هما اللذان يملكان تقرير حقوقهما واستحقاقاتهما ومشارطاتهما.
وهنا أقول : لكل مجتمع ودولة خصوصية في قيمها ونظمها ، ولا يجوز تدخل أي طرف خارجي فيها . والمجتمع الإسلامي كغيره من المجتمعات له خصوصيته ، فدينه مرجعية قيمه ونظمه ؛ وأساس فكره وتصوُّره . وأشير إلى أمر جوهري ؛ أن الإسلام ليس مجرد عظات وروحانيات أو عبادات ؛ وليس نصوصاً مؤثرة في القلب تتلى بأعذب الأصوات فتشنِّف الآذان ، أو خطوطاً ترسم أبدع اللوحات فتسحر الألباب ، بل هو عقيدة وشريعة ؛ إيمان وأحكام أنزلها الله لتنظم حياة الناس ؛ وهذا فرق كبير في مفهوم الدين بين الإسلام وما في الغرب من أديان ، فلا صلة للدين في تصوراتهم بالدنيا وتشريعاتها .
الفصل الثالث : الواقع المعاصر للمرأة المسلمة
يرى كثيرون أن إثارة قضية المرأة والمناداة بإقرار حقوقها مؤامرة مبيتة ضد الإسلام ؛ تستهدف تدمير المجتمع المسلم بالوصول إلى أساسه المتمثل في الأسرة ، لأن حقيقة هذه الدعوة  ترمي إلى التفلت من أحكام الشرع والتحرر من قيمه الأخلاقية ؛ وإن تسترت بالشعارات الإنسانية الزائفة
ويقارنون بين واقع المرأة الغربية ومعاناتها المريرة وبين المرأة المسلمة ؛ التي كرمها الإسلام فجعلها جوهرة مصونة . ويقولون : إذا أرادت المرأة حقوقاً فستجدها في الإسلام ، ولا حاجة بها إلى كل هذه اللجان والمنظمات والمؤتمرات والبيانات .
لكن في غمرة هذه الأفكار والأفكار المضادة أتساءل : هل من مبرر لمناداة المرأة المسلمة بحقوقها ؟ وهل للمرأة في المجتمع الإسلامي اليوم قضية ؟ وهل تعاني فعلاً من التمييز بسبب أنوثتها ؟ وهل سلبت حقوقها فهبت مكافِحةً لاستعادتها ؟
في الحقيقة لم يكن للمرأة يوماً في تاريخ الإسلام قضية تدفعها إلى النضال ؛ طلباً للحقوق أو مقاومة للعنف والتمييز الموجّه ضدها ، فقد تمتعت بحقوقها على مدى القرون الماضية ؛ حيث التزم المسلمون في حياتهم هذه الحقوق ؛ كما التزموا جميع تعاليم الإسلام وواجباته .
أما اليوم فإن أحداً لا ينكر ما تعانيه المرأة المسلمة في عصر الانحطاط والتخلف هذا ، فوقع عليها الظلم والإجحاف والإشعار بالنقص ؛ بصورة تفوق ما كانت عليه أيام الجاهلية الأولى ، وحجبت عن ممارسة دورها الفاعل في مجتمعها الذي حرم مشارَكتها في مسيرة التنمية والبناء . فرغم أن الإسلام أنصف المرأة ومكَّنها وبلغ في ذلك مبلغاً عظيماً ، إلاَّ أنها لا تزال يلُفُّها الظلم والظلام والظلمات ، ولا زالت عاجزة عن التمتع بما وُهِبَتْ أو استعادة حقوق سُلِبَتْ .       
إن الصدق في محاسبة النفس والأمانة في نقد الذات ؛ تقتضينا الاعتراف بما آل إليه حال الأمة المسلمة اليوم ؛ من تنكُّبٍ لطريق الإسلام ومخالفة لتعاليم الدين وعودة إلى فكر الجاهلية وأعرافها . ولم تكن المرأة بمنأى عن هذا التراجع ؛ فأصابها ما أصاب الأمة :
1- فالمجتمع ينتقص شخصية المرأة باعتبار الرجل أفضل منها ؛ ويقْصُرُ دورها على تدبير شؤون المنزل والإسهام في الزيادة السكانية ، فهي عبء ثقيل على العائلة حتى لو ساهمت في زيادة الدخل المالي لها .
وما نراه من إقصاء للمرأة عن الوظائف والولايات العامة ؛ أو العمل السياسي في بعض المجتمعات المسلمة ؛ ليس إلاَّ دليلاً على ضعف الثقة بقدراتها ؛ رغم كفايتها وتميزها في الميادين التي ارتادتها ؛ ورغم أنها تشكل أكثر من نصف المجتمع من حيث العدد السكاني .
2- وغالباً تحرم المرأة إبداء رأيها أو اتخاذ قرارها ؛ وبالأخص فيما يتعلق بحياتها ؛ بدعوى نقصان عقلها وحكمة وليها ، رغم تمتعها بالأهلية . ولو كان هذا موقف الإسلام منها لما ألزمها تكليفاً في الدين أو الدنيا .
3- تحرم المرأة التصرف في مالها ، فالمتزوجة تفتقر إلى إذن زوجها ، وغير المتزوجة تحتاج إذن وليها كأنها قاصر محجور عليها . أما المرأة العاملة فغالباً ما تنفق كسبها على الأسرة جبراً عليها وبضغط أدبي من المجتمع ، فإذا ما وقع خلاف بينها وبين الرجل ؛ عجزت عن استرجاع ما أنفقت .
4- لا تتمكن المرأة ولو كانت غير متزوجة من الحصول على وثيقة جواز السفر إلاَّ بموافقة وليها ، وهذا عدوان معنوي كبير على أحد حقوقها المدنية ، ولا وجه له في الشرع إلاَّ مسألة سفرها من غير محرم ، ويزيد الأمر صعوبة ما نراه في الواقع من تحكّم بعض الأولياء فيها وقلة شفقتهم عليها ؛ ورغبتهم بما لديها وجهلهم بمصلحتها .
وليس من حق الولي منع المرأة من السفر أصلاً ؛ كل ما هنالك أنها ممنوعة من السفر بغير محرم ؛ ولو سافرت بغيره فهي آثمة فقط ؛ لكن الشرع لم يرتب عليها عقوبة دنيوية ، فرغم أن العلماء اشترطوا لحج المرأة توفر المحرم ؛ لكنهم لم يبطلوا حجها بغيره بل نصوا على الإثم فقط.
5- تحرم المرأة الانتفاع بإرثها أو امتلاكه ابتداء ، فمع أنه لها ومن حقها ؛ إلاَّ أن أنانية الرجل وإيثاره نفسه عليها ؛ تدفعه إلى نزعه منها بالترغيب والترهيب أو بالتحايل أو التخارج منه .
6- وفوق ذلك كله تقتل المرأة دفاعاً عن شرف العائلة بغير بينة ؛ بل أخذاً بالظن والريبة ، وفي ذلك افتيات على شرع الله وتعدٍّ لحدوده وإزهاق للنفس المعصومة .
هذا غيض من فيض ؛ فالمظالم الواقعة على المرأة أكثر من أن تعد وتحصى ، وفي استقراء الواقع غنى عن سردها . لكن السبب الأساس وراءها من وجهة نظري - الإصرار على انتهاك حقوق الإنسان بصورة عامة ؛ والتضييق على المرأة بشكل خاص ، فنمنح بذلك القوى الخارجية فرصة ذهبية للتدخل في شئوننا الداخلية .

نتائج وتوصيات
إن التحدي الذي يواجه الأمة الإسلامية في قضية المرأة ليس هيناً ، فهي جزء من قضايا المجتمع لأنها جزء من قضايا الأسرة أصلاً ، والمجتمع هو الكيان الحقيقي والمركزي للأمة بكاملها . 
فينبغي النظر إلى المرأة وقضيتها على أنها للأمة فهي من الأمة ؛ ولو أنها أصبحت اليوم قضية المجتمع الدولي بأسره ؛ ولم تعد قضية المجتمع الإسلامي والعربي وحده . فالمرأة في كل المجتمعات تعاني من التمييز ونظرة الانتقاص والاستضعاف .
1-  ومع ذلك أسأل المجتمع الدولي : لماذا تدوَّل قضية المرأة المسلمة علماً أنها تخص الدول الإسلامية ومجتمعاتها ، بينما يتم التعامل مع مشكلة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين على أنها قضية خاصة بالشعب الفلسطيني ؟ فعلى مر العقود الماضية جردت بالتدريج من إطارها الإسلامي العقائدي أولاً ؛ بحجة أنها قضية تخص العالم العربي وحده ، ثم فصلت فيما بعد عن إطارها القومي العربي ؛ بحجة أنها شأن فلسطيني خاص ، مما جعل الشعب الفلسطيني وحيداً في مواجهة آلة الحرب الصهيونية ، وفرداً في مواجهة حملة الإبادة والتهجير التي تشنها عليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي الغاصب .
2- وأسأله ثانياً : من خلال ضغط المنظمات والمؤسسات الدولية المنادية بحقوق الإنسان على الحكومات والدول العربية والإسلامية ؛ يتم تمرير كثير من الأفكار والاتجاهات في موضوع المرأة وحقوقها ؛ بتعميمها على المواطنين ؛ والتسويق لها إعلامياً وسياسياً على المستوى المحلي والعالمي ؛ حتى تصبح شيئاً فشيئاً جزءاً من الثقافة السائدة في المجتمع المستهدف .
فلماذا لا تتَّبع المنظمات نفس النهج بممارسة الضغط على دولة الاحتلال الإسرائيلي الغاشم ؛ لوقف عدوانها العنصري وإجراءاتها القمعية ضد الشعب الفلسطيني ؟ ولماذا لا تسجل مخالفاتها الواضحة لحقوق الإنسان التي أقرتها التشريعات الدولية ؛ لمساءلتها وملاحقتها قضائياً ؟ وإلى متى ستبقى بمأمن من الحساب ؟
3- لكن في الوقت نفسه أقول : لا ينكر أحد أن تدويل مشكلة المرأة ليس شراً كله ؛ وإن كان قد ترعرع في ظل العولمة وصنع على عينها ، فقد أثمر إيجابيات ملموسة في بعض الأقطار العربية ، فبعد أن كان محظوراً على المرأة فيها ممارسة الحقوق السياسية مثلاً ؛ فقد وصلت اليوم إلى المجالس النيابية ؛ بل إلى المناصب الوزارية ، ومراكز صنع القرار  في بلادها . ولها أن تصل إلى أبعد من ذلك .
والأساس في ذلك صحوتها الواعية البصيرة ، فعليها أن تنظر في نفسها وتتلمس طاقاتها المكنونة ، وتتعرف إلى مكانتها في دينها الحنيف ، ولْتدرك أنها لن تسهم في نشر دينها ورفعة أمتها إلاَّ أن تكون عنصراً فاعلاً بانياً في مجتمعها ، وأن تسير في طريق التغيير على خطى الصحابيات الماجدات أمثال نسيبة ورفيدة ؛ وأسماء خادمة الهجرة ورائدة المعارضة والثورة ، لكن بعيداً عن الانقياد المطلق وراء الدعوات  المتطرفة في مناداتها بالتحرر من كل القيم والضوابط والشرائع . فهذا في حقيقته تفلت لا يأتي بخير أبداً .
4- وللإسهام في هذه الصحوة : علينا إعادة النظر في كثير من أفكارنا ومبادئنا الاجتهادية ؛ التي ورثناها عمن قلدناهم من علمائنا الأفذاد الذين اجتهدوا لزمانهم ؛ أو نقلناها عن مفكرينا الثقات الذين فسروا آيات وأحاديث الأحكام استناداً إلى قرائن ظنية ؛ أو جعلوا حكمة الأحكام علة لها ؛ وبالأخص فيما يتعلق بشؤون المرأة . ويقتضينا تجلية مستنداتها الشرعية وإظهار اختلاف الفقهاء فيها فإنه نعمة ورحمة بالأمة ، وهذه مهمة علمائنا الأكفياء من ذوي الاختصاص .
فإن لم نتدارك هذه الظاهرة سيطرت على عقولنا حالة من الاستنساخ الفقهي والجمود التشريعي الذي يؤدي إلى التصادم بين الفكر والفقه ومتطلبات التطور الحياتي .
5- وعلينا جميعاً ألاَّ ننسى أن قضية المرأة هي من قضايا المجتمع الأساسية ؛ وأنها لن تتقدم إلاَّ إذا نالت دعمه الفكري الكامل من خلال خلخلة قناعاته وتصحيح اتجاهاته حولها ، ولن يكون ذلك إلاَّ إذا نبعت هذه الأفكار والقناعات من الثقافة الصحيحة لأبنائه ، وإذا انطلقت من الأسس والمبادئ المستمدة من هدي إيمانهم وتوجيهات عقيدتهم وروح شريعتهم .
وبالمقابل لن يكتب لها النجاح إذا أخذت صورة الحرب والصراع مع المجتمع بقيمه وثقافته ؛ لأن الغرض الأساسي منها ليس الحصول على مكاسب خاصة بالمرأة منفصلة عن المجتمع ؛ بل مكاسب للمجتمع بأكمله من خلال المرأة بصفتها ممثلة لنصف المجتمع وبانية نصفه الآخر .
6- وما المانع أن تسود العالم والكون كله مبادئ إيجابية في قضية المرأة وحقوقها وحرياتها ؛ وبالأخص أن الأنظمة والمجتمعات المحلية عجزت عن تأمينها ؛ وقصَّرت في ضمانها للمرأة ؟
ولكن ليس بفرض الرؤية الغربية والتصورات العلمانية على المجتمعات الأخرى ، بل يجب التمسك بحق كل بلد في المحافظة على خصوصيته الثقافية والفكرية وقيمه الاجتماعية الإيجابية ؛ ويتأكد ذلك في مجتمعاتنا الإسلامية إذا استندت إلى قواعد الدين النقية ونصوصه القطعية ، إذ لا يمكن الرضا بقوانين ومواثيق وإن كانت عالمية ؛ أن تفرض بالقوة على مجتمع إذا خالفت مبادئه ومعتقداته الثابتة ؛ وإلاَّ كانت النتيجة إذكاء نار الصدام من جديد . وفي هذا ما فيه من إهدار طاقات المجتمع وإمكاناته في صراع يعيق التقدم ويعطل الازدهار . وبالأخص أن قضية تحرير المرأة في الغرب وإن بدأت بشعارات براقة ؛ إلاَّ أنها انتهت بالنخاسة التي لا تفرِّق بين الرقيق الأسود أو التجارة بالرقيق الأبيض  .
7- لا أحد ينكر تراجع قيمة التقوى والالتزام بأحكام الشرع بين المسلمين ؛ سواء في مجال العلاقات الأسرية وغيرها من مجالات الحياة اليومية ، مما نجم عنه وقوع الظلم على المستضعفين ؛ وضياع حقوقهم وانتشار القطيعة والتقصير في أداء الواجبات والالتزامات .
وليس من العدل ولا المنطق أن تدفع المرأة وأمثالها من الضعفاء ؛ ضريبة هذا الخروج على أحكام الشرع وتعاليم الإسلام ، فلا بد والحالة هذه من التحرك لتحسين وضعها ؛ وأداء استحقاقاتها وتصويب المفاهيم والأفكار التي تبني شخصيتها وتحمي مكانتها . ولتحقيق ذلك يمكن انتقاء الأصلح للمجتمع من المذاهب الفقهية ؛ والأنسب والأنفع من أقوال الفقهاء ؛ لحين اكتمال منظومة الاجتهاد من العلماء والفقهاء الأكفياء ؛ واضطلاعهم بدورهم في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها .
8- والمطلوب منا ومن حكوماتنا الوطنية تعزيز وحماية حقوق الإنسان ؛ من خلال تحديث أو تعديل القوانين التي تمس حقوق الإنسان ، ورفض كل الانتهاكات التي تتم ضد المواطنين ، وإحالة من ينتهكها إلى القضاء ، وتعزيز الحريات المدنية للمواطنين ومشاركتهم السياسية في إدارة الشأن العام . فهذا خير من الخضوع للضغوط الخارجية ، وسيمكننا من اعتماد أسس ديننا التي لا تميز بين ذكر أو أنثى ؛ ولا تفضل ذكراً على أنثى
والخلاصة أن المجتمع العربي لا يعتمد في موقفه من المرأة إلى فكر الإسلام أو فقهه أو شيء منه ، وإنما يعتمد التقاليد البالية الموروثة من عهود الجاهلية المظلمة . فقد كان للمرأة في الإسلام وعصوره الذهبية بصمات متميزة وماضٍ مجيد ، ويمكنها صياغة مستقبلٍ يسمو بالدين والعلم من جديد .
ووحتى تتمكن المرأة من أداء دورها الريادي ، فعلى المجتمع أن يوفر لها الاحترام وأن يعاملها كإنسان ، وأن يمكِّنها من ارتياد جميع المجالات الحياتية . ولْنعلمْ أن التقدم والتطور رهن بتحرر المرأة وإعطائها حقوقها ؛ وحينها ستفي بالتزاماتها وستؤدي المهام المنوطة بها بعيداً عن الضغوط والمعيقات التي تقف في طريقها .

 
بيان بمناسبة يوم المرأة Print E-mail
Wednesday, 19 January 2011 14:37

أتوجه في هذا اليوم بتحية إكبار وإجلال للمرأة الفلسطينية التي أسهمت جنباً إلى جنب مع شعبها في مسيرة نضاله وكفاحه ضد الاحتلال الغاشم ، وضربت أروع الأمثلة في الصمود والثبات والوفاء والإخلاص لقضيتها الوطنية العادلة ، ووقفت إلى جانب أسرتها عندما فقدت معيلها بسجنه أو استشهاده ، وحافظت على البنيان الاجتماعي والتماسك الأسري في فلسطين ، وقدمت التضحيات الجسام فأنكرت ذاتها وتفوقت وتميزت بأدائها في جميع الميادين والمناصب التي تبوأتها .
وأقول لهذه المرأة المعطاءة إن القضاء الشرعي يؤكد دعمه المستمر للمرأة الفلسطينية وتمكينها والوقوف إلى جانبها تماماً كشقيقها الرجل لإنصافها ومنحها حقوقها كاملة بغير نقصان ، { فالنساء شقائق الرجال } كما علمنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .
وأؤكد أن المرأة التي هي الأخت والأم والزوجة والبنت والعمة والخالة تشكل نصف المجتمع عدداً وترعى نصفه الآخر ، فهي المجتمع بأكمله ، لذا فهي تستحق منه أن تكون محل التقدير والاحتفال ليس في هذا اليوم فحسب ؛ بل في كل وقت وزمان .
فكل التحية والإجلال إلى زوجات وبنات وأمهات الشهداء الأبطال والأسرى الأحرار ، وإلى أسيراتنا الماجدات في غياهب سجون الاحتلال ، وإلى كافة نسائنا الفلسطينيات المرابطات على ثرى أرض الإسراء والمعراج المباركة .
قال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع { واستوصوا بالنساء خيراً } رواه الترمذي .

قاضي قضاة فلسطين
رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي

الشيخ الدكتور تيسير التميمي

 



الموقع الرسمي لفضيلة الدكتور الشيخ || تيسير التميمي || يرجى ذكر المصدر عند النقل
Create & Development by Ahmad Hajeer